الاثنين، 20 مايو 2013

د : سعود الزدجالي / نبض القلم.... سعود الزدجالي منقول من الزمن انتبهوا... فهذا منحدر!


نبض القلم.... سعود الزدجالي منقول من الزمن
انتبهوا... فهذا منحدر!
يقول فيلسوف الوجود الألماني (1889-1976) مارتن هيدغر:(الخطوة للوراء لا تعني خطوة منعزلة للتفكير، ولكن الخطوة للوراء تحدد خاصية تحاورنا مع تاريخ الفكر)؛ فالرجوع إلى الذات وممارساتها السابقة لا يعد تقهقرا، ولكنه خطوة للخلف لنحسن القفزة للمستقبل، وفيما يتعلق بالتعليم في السلطنة؛ فإن الدراسات والواقع يشير إلى وجود فجوة بين الوزارة وسياساتها والمدارس والمحافظات؛ فالمعلم يبذل قصارى جهده ليرتكز أداؤه على الطالب، والوزارة تمارس دور التشتيت بكثرة تغييراتها، ولجانها، وأنشطتها، وكنت قد اعتقدت حينما صدر المرسوك السلطاني بإنشاء مجلس التعليم، أن تتوقف الوزارة عن التشريع والدراسات، تحاول الرجوع إلى واقعها، لتقديم تقريرا واقعيا عبر الوزيرة الجديدة يرفع إلى المقام السامي ومجلس عمان، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث بل ظلت الوزارة سابحة في ملكوتها، وربما تخطط لإصدار خطة تربوية (عمان 2030) لتواكب الصحة في عمان (2050) فيكتمل جرحنا مع (عمان 2020) فإن حدث ذلك؛ فإنه يعني أن العقول الحالية تقوم بتقطيع جهود الدولة إلى أشلاء، وكأننا في عوالم مستقلة؛ لذلك علينا في البدء طرح الأسئلة الآتية: هل يسير النظام التعليمي في السلطنة وفق مسار واضح، وقانون محدد باعتبار أن الوزارة جهة تنفيذ لا تخطيط، أم أن القضية لا تعدو من كونها ارتجالات الوزيرة ومكتبها، وعشوائية المحافظات؟ وإذا كان ثم قانون أو نظام فمن قام بوضعه بعد إنشاء مجلس التعليم؟ ألم يكن من العقلانية التوقف قليلا مع الذات بعد إنشاء المجلس ومحاولة لملمة الأوراق؟ ما الأعمال الجوهرية التي تقوم بها الوزيرة الحالية في المنظومة التعليمية؟ أو بالأحرى ماذا قدمت؟
يعقد (آل جور) فصلا كاملا في كتابه: هجوم على العقل؛ بعنوان: (تضليل المؤمنين)؛ يبرهن فيه كيف أن المعلومات المغلوطة، ومحاولة تقديم صورة غير صحيحة عن الواقع يؤدي إلى تضييع المصالح؛ فانتشار التنوير تدريجيا، يمكن أن يتيح للعقل أداء مهام معينة؛ فالعلم والقانون يمكن أن يمنحانا القوة لتقييد عواطفنا، وبناء شجاعتنا؛ وهذا الرأي كان ينادي به (جيفرسون) أحد مؤسسي الولايات المتحدة؛ فالتضليل يعد جريمة كبرى في الدول المتقدمة؛ فما حدث من تعمّد تقديم صورة زائفة لوزيرة التربية عن مدرسة بعينها؛ يدل على سذاجة العقول الإدارية القائمة على التعليم، وعلى عمق الجرح والفجوة التي يعانيها المعلمون في مدارسهم، ومما يزيد عمق هذا الجرح أن الحدث كان في نهايات العام الدراسي؛ فأين كانت الوزيرة عن مدارسها وهي بهذه الصورة الظاهرية الخلابة أحيانا والصورة الداخلية المعطوبة؟ إنها مشغولة بالوفود، واللجان، والمناسبات، والندوات، والمسابقات، والدراسات التي ما تزال مستمرة في الوزارة، والواقع باق على حاله؛ إن هذه القضية بالذات لا تحتاج إلى كتابات حماسية، أو سبك لبعض المدائح للوزيرة من بعض السذج؛ لأن الحدث له دلالتان عميقتان: الأولى أن المسؤولين استطاعوا تقديم صورة مضللة، وكان على الوزيرة أن ترجع إلى مكتبها وتجلس مع ذاتها؛ وتتساءل من اختار هؤلاء ليكونوا مسؤولين على المحافظات؟ والثانية: تدل دلالة قاطعة على انعدام سياسة واضحة بين المستوى (أ) والمستوى (ب)؛ فهذا النوع من الممارسات يدل على سوء الاختيار القائم على العلاقات، وما يزال مستمرا، وعلى ضعف المراقبة، وعلى انعدام الثقة، وانعدام سلوك إداري يعتمد التواصلَ الشفافَ بين الوزيرة والمحافظات، ولو حدث هذا النوع من الممارسات التضليلية في الدول المتقدمة لأدى ذلك قطعا إلى استقالة الوزيرة، والمسؤولين.
ومن الأهمية أن نتوجه إلى الوزيرة بهذا السؤال: لماذا تقومين بهذه الزيارات في نهاية العام الدراسي؟ هل حددت هدفا لهذه الزيارة؟ ولماذا قمت بتغيير المحافظة؟ لماذا لم تقومي بتوضيح الخداع الذي مورس في الموقف نفسه ولم تخرجي احتجاجا على هذا الوضع آنذاك؟ ولماذا سكتت إدارة المدرسة وهي تشاهد هذا التضليل المتعمد؟ ألا يدل ذلك على عطب متكامل في الخلية كلها، وهدر للأموال والطاقات؟ إنها الارتجالية المستمرة في المؤسسات العامة التي تخضع لرغبات وزرائنا الذين تمتعوا بالتقديس ردحا من الزمن؛ فلا نجد مسارا واضحا يحدد التعليم، ولا يوجد قانون، ولا معايير وطنية يتم متابعتها عبر منظومات تتسم بسلطة خارجانية عن الوزارة، وهنا تصطبغ المؤسسة حسب أهوائنا، وتغرق في الذاتية والأعمال اليومية واللجان، والاجتماعات؛ ولذلك فإنني أراهن أن مثل هذه الممارسات لن تتغير ما دامت الدولة تنتقي الوزراء بالأسلوب القديم، ولن يستطيع وزير أن يرقى بالمؤسسة مع غياب نظام استراتيجي محدد من السلطة التشريعية والتنفيذية ومتابع من الأجهزة الرقابية، فالوزارة موغلة في الممارسات العشوائية؛ ومن ذلك الوفود التي لا ترجع بفائدة، وإن رجعت فلا يستعان بها، فقد شاركتُ شخصيا منذ فترة طويلة في وفد إلى الجمهورية اللبنانية للاطلاع على مناهجها، ونظم التقويم فيها، والإشراف على التعليم، ورغم المشكلات الجمة التي كانت تواجهها لبنان بسبب خروجها من الحرب الأهلية آنذاك؛ إلا أنها كانت رائعة في التنظيم بشأن المناهج، ووجود قانون للتعليم فيها، وكنت المتخصص الوحيد بينهم في شأن (التربية الشمولية) لنقلها إلى السلطنة، وبعد العودة رجعنا أدراجنا، وقلت في نفسي إن هذه التجربة رائعة، ولا سيما أنني شحنت كثيرا من الوثائق والكتب استعدادا للعمل الذي ربما ينتظرني، وبعد فترة طويلة تفاجأت بظهور التجربة مشوهة باسم (المنهج التكاملي) وبعيدا عن روعة التجربة اللبنانية، فقلت في نفسي ثانية إذن لماذا شاركت في الوفد ولم أشارك في هذا العمل؟!! فعلمت أن الارتجال والعشوائية أساس العمل في وزارتنا الموقرة؛ فقلت إنالزيارة كانت تجربة سياحية يتحمل أموالها أصحاب القرار؛ وما تزال الوفود مستمرة؛ حتى أن لدى الوزارة خبيرة من دولة أجنبية في وقت قريب، وهي محيطة بتجربة بلادها ونظامه التعليمي؛ إلا أن الوزارة ابتعثت وفدا للاطلاع على نظام التعليم في بلادها وهي قابعة في الوزارة؛ فهمست وقالت ولكنني ماذا أفعل إذن وأنتم تهدرون أموالكم؟!! إن السلطنة دولة ضمن مجتمع دولي، وهي عضوة في المنظمات التربوية، وعلاقاتها واضحة مع القنصليات، والبنك الدولي، واليونسيف، واليونسكو والوزيرة وبخطاب واحد تستطيع أن تضع أمامها وثائق الدولة المتعددة للاطلاع عليها وتحليلها بدلا من هدر الأموال بهذه الوفود، ولكن تحليلها يحتاج إلى خبراء وعقول تفقه معنى التعليم وفلسفته، وتستوعب نتائج التقارير الدولية؛ ألم يكن من الأجدى والأجدر أن تصرف هذه الأموال في معالجة النتائج الفاضحة أيتها الوزيرة؟
وفي وقت سابق وكنت حينها أشغل نائب الإشراف للتدريب قامت الوزارة بابتداع ما سمي بــ (المدرب) وصرفت عليه أموالا طائلة، وتعاقدت مع معاهد محددة؛ تواكبا مع آخر الصيحات في عالم(موضة التنمية البشرية) والدجل الذي كان يمارس حينها بشأن البرجمة العصبية وغيرها، وقد وجهت إليهم شخصيا في عدة جلسات أن مثل هذه البرامج لا تثبت عبر الزمن لأنها خارج النظام، ولا ترتبط بتوصيف وظيفي من الخدمة المدنية، ولكم الآن أن تسألوا أين ذهب هذا البرنامج التدريبي؟ وماذا عن الإنفاق عليهت؟ وهل تعلمت الوزارة من أخطائها؟ لا لم تتعلم؛ لأن العقول نسخ مكررة، وهاهي الوزارة تخطط لإنشاء أكاديمية لتمارس دورا ليس دورها، وتعيد الأخطاء نفسها، وتهدر الأموال ثانية وثالثة، وسيتم التدريب عبر عقول المشرفين وهم يتقاربون مع المعلمين خبرة وعلما؛ هذه الطاقات والإمكانات التي كان يجب أن تذهب إلى صفوف الدراسة، ولكنها تذهب لإشباع نزواتنا ليس إلا؛ اسألوا أنفسكم: هل يحتاج المعلم إلى تلقين لتنشئوا أكاديمية؟ أليس المعلم يمتلك أساسا تربويا وأكاديميا؟ كم مكتبة عامة توجد في السلطنة؟ واحدة هي الإسلامية في (روي) تزكم الأنوف من غبارها، وثانية للديوان في (القرم) لا توجد فيها إلا آالة تصوير تشبه التي توجد في محل تصوير، على الرغم من إمكانات وزارة الديوان! ثم تريدون ثقافة وطنية تنتشر!! أليس من الأجدى أيتها الوزيرة أن تجاهدي في إنشاء مراكز مميزة للمعلمين فيها المكتبات والأندية والمسارح والقاعات والمقاهي الراقية ويديرها المعلمون أنفسهم؛ ولو كنت صاحب القرار لبعت مبنى الوزارة الجديد، ولبنيت من تلك الأموال هذه المراكز التي تحتضن المعلمين، ولا يهمني بعد ذلك أن أدير التعليم في أي مبنى! كل ذلك يدل على الفجوة العميقة، والهوة السحيقة بين الوزارة والمعلم الدائب في حقله وسط تصريحات وزارة المالية بعدم وجود أموال لترقية الدفعات القديمة، ولكنها توجد لقافلة التسامح، وتوجد لفك الرهائن، وتوجد للندوات والاحتفالات، والوفود وغيرها من الترهات.. انتبهوا.. فللأجيال القادمة عليكم حقوق عظيمة...يتبع