الأربعاء، 2 يناير 2013

سلطنة عمان / مجلة الفلق الإلكترونية / مقال رائع .. للكاتب / طارق الصباحي..بعنوان /الدول العربية الضارية


طارق الصباحي

عن الكاتب: طارق الصباحي


 تكبير الخط تصغير الخط
يعتبر د.نزيه الأيوبي أحد المفكرين العرب الذين قدموا نظرية  متميزة في طبيعة الدول العربية وإيكولوجيتها وما تعانيه هذه الدول من تحديات اجتماعية واقتصادية وسياسية والعلاقة بين السلطة الحاكمة والمجتمع، هذه القراءة أتت من مفهوم الدولة في العصر الحديث وتتبع منهج غرامشي في  تحليله. ويبدو أن ثورات الربيع العربي أخرجت نظرة الثمانينات للدول العربية كدول ذات منهج قومي أو اسلامي أو اقليمي لدول ذات كيان مستقل ترتبط أكثر بالبيروقراطية وادعاءات الديمقراطية ذات فكر وفلسفة متقاربة تصل للقطع واللصق !!
يقول الأيوبي في كتابه تضخيم الدول العربية…الدول العربية ذات قدرات تسلطية هائلة تتخذ من قدرتها على فرض القانون على انه حالة من تجسيد النظام، وتجتهد في تجنيد وتشكيل الأجهزة الداعمة لذلك، بينما تجد صعوبة في تشريع القانون نفسه وجعله صحيحا بل وحتى مقبولا ومستساغا، بل وتخلق حالات من التضارب في مبادئ قانونية أساسية عادة ما تتشكل على هذه المبادئ الدولة الحديثة.
تعمل الدول العربية على التغليب المطلق للأمن السياسي على الأمن الاجتماعي مستخدمة طرق القمع المعروفة على مخالفي منهج النظام والتي تبدأ بالإقصاء الاجتماعي من تشويه الوطنية والأخلاق ثم تتطور للتهديد والعصا وتنتهي بزج المخالف في السجون، كل هذا لإخراس المخالف أيا كانت طبيعة الخلاف، مستخدمة أجهزتها المدنية كالإذاعة والتلفزيون والصحف التي تكون غالبا تحت إمرة الدولة وصولا للمحاكم والقضاة ورجال الدين، ثم الاجهزة العسكرية والتي تدخل فيها أجهزة المخابرات والشرطة، كل هذا يقف صفا واحد لأي ايدلوجية تخالف السلطة العربية الضارية التي تتوهم وجود اعداء للبلد من بين أبناء البلد والمواطنين العزل ، أو القيام بالضربة الاستباقية أو ما يسمى في عرف العسكر بالتنموية الأمنية وهي عمليات تصفية من تراهم السلطة الحاكمة يشكلون رموزا أو قيادات محتملة مستقبلية لا تتماشى مع اتجاه السلطة وقد تخلق هذه التصفية بشكل دوري لخلق ارهاب وزعزعة أمنية لأفراد الشعب.
إن ترسيخ هاجس الخوف من الأجهزة الأمنية واضفاء طابع البطش والقوة عليه ، أو طابع الرهبة والتبجيل  للأجهزة أو الوزارات “السيادية” مرتبط بالدول العربية كافة ، بالإضافة على ظهور أعضاء هذه الأجهزة بمظاهر شتى فمنهم المثقف والكاتب ومنهم التقني مدير المواقع ومنهم المحلل القانوني او خبير الحريات وحقوق الانسان، كتنوع طبيعي كأطياف المجتمع تشترك في حماية اجندة الدولة ، وعملها كمنظومة موحدة ك”الكتلة التاريخية” بشكلها الجامع والقادر على صهر ايديولوجيات مختلفة لدعم كيان سياسي موحد، يكون الاتصال بهذه الأجهزة مرتبط بالخضوع والاستسلام و على النقيض فان الاختلاف قد يصل للخيانة او التطرف او على الأقل أيديولوجيات معادية !!
هذه القوة التي تدعيها الدول العربية ماهي إلا محاولة اخفاء ضعف شديد في العلاقة بين السلطة الحاكمة والشعب ، حيث تنخر طبيعة العلاقة الدولة ككيان مخلفة حالة من الصلابة الخارجية والسيطرة الشكلية ومن الهشاشة الداخلية بين مؤسسات الدولة نفسها او مؤسسات المجتمع المدني والتي تكون معدومة او رمزية أصلا.  ويكون هذا الضعف مخفيا عادة بأشكال عدة من التلميع الاعلامي الداخلي والخارجي والعطايا المالية الفردية والمؤسساتية  والمفاخر الدولية كالوساطات بين الدول والتي تتشابه فيه الدول العربية عموما وتختلف حسب ميزانية تلك الدولة أو أهدافها.
هذه الهشاشة تمتد للبنى التحتية في خطط التنمية العربية المستدامة  كتطوير التعليم والصحة والاسكان والحد من الفقر وتنمية مصادر الدخل والحفاظ على البيئة والتي لا تكون اكبر من أطر ورق الصحف والاعلانات، مقارنة بتحقق مشاريع التسلح الضخمة والصفقات الدولية المشبوهة وحالات الاحتكار التجاري وارتفاع الانفاق الحكومي واستغلال المال العام من قبل أفراد معينين على أرض الواقع. كذلك اطراد وزن البطالة المقنعة كحل مؤقت للبطالة الحقيقية ، وذلك بإضافة أعداد مهولة للأجهزة المدنية والعسكرية لا تتناسب وحاجة المؤسسة ، بدل خلق مشاريع تنموية ضخمة مواكبة للنمو السكاني. ولك عزيزي القارئ مراجعة تقارير التنمية المستدامة والتي تظهر فشل أغلب الدول العربية في معالجة التحديات التنموية وتأخر تصنيف الدول العربية بالرغم من الدعم الدولي لهذه الدول.
هذا الضعف يمتد لاختيار أعضاء مجلس الدولة والوزراء والنواب وأصحاب المناصب العليا والذي لا يأتي اختيار الفرد فيه مبني على الكفاءة الصرفة، بل تدخل اعتبارات كثيرة منها القبيلة، والمنطقة الجغرافية القادم منها، وحالته الاجتماعية، والحزب المنتمي اليه بحيث يتم ادخال عوامل ثانوية تبعد الكفاءة كمعيار أول في الاختيار. قد يكون المجتمع فيه عاملا في دعم المبادئ الثانوية إلا ان الدولة عادة ما تكون رسختها من خلال التوجيهات والمعايير التي تضعها سلفا أو من خلال سلوكها في تعيين أفراد المناصب القيادية.
وفوق ذلك لا تألوا الدول العربية من استخدام المصطلحات الفكرية والسياسية الحديثة كدولة ديمقراطية معاصرة، و دولة القانون ، ودولة المؤسسات ، وفصل السلطات ، للتطبع واضفاء الشرعية على الدولة ككيان ، وعلى ما تقوم به من مواقف ، مستخدمة قمعا فكريا بشكل ممنهج ودوري- من مختلف المؤسسات الاعلامية المحتكرة للدولة نفسها كالقنوات الاذاعية او التلفزيونية او الصحف المحلية والمواقع الالكترونية – كعملية للغسيل الدماغي لأغلبية المجتمع والذي يكون عادة إما معدم الوعي او مضطهدا بحيث تكون أولوياته لقمة العيش أكثر من الحرية والعدالة والديمقراطية، أما الثلة الباقية – من الكتاب والمؤلفين من الدولة نفسها أو خارجها – فتقوم الدولة بضخ الأموال عليهم ليقوموا بالدعاية المبهرجة وتغييب الحقائق أو لشراء صمتهم.
وفي الجانب القانوني، تدعي الدول العربية تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات – التشريعية والتنفيذية والقضائية – عملا ب”روح القوانين” وتدمغ ذلك  في دستورها والذي غالبا ما يكون دستورا شكليا يكون الهدف منه خلق واجهة شرعية للدولة، بحيث تتغير هذه الدساتير حسب ما تراه السلطة الحاكمة.  كما يكون الفصل بين السلطات واجهة شكلية تمتد وتتسع عند الحديث عنها في المؤسسات الاعلامية وتتشابك كعجينة دون ذلك، حيث يقول د.عمار قربى  ” الدولة التي لا تلتزم على أعلى مستوياتها بالمبدأ المؤسساتي لا يمكن أن تفرض تطبيقه حتى على المستويات الدنيا، وهذا هو السبب الرئيس للفساد الإداري، و القضائي في الدول العربية”
الأيوبي لم يفرق بين الدول العربية الغنية بالنفط من الفقيرة، اذ أنه يعتبر الدول المصدرة للنفط دول مكرمات ستبقى ما بقيت المكرمات ذات النكهة البرجوازية، دول تعتمد السلطة فيها على العالم الخارجي للبقاء، بل ويضعها في مصاف الدول الآيلة للسقوط، تعيش ما بقي الحاكم يدفع، ويصف الأيوبي الدول العربية كدول الاتحاد السوفيتي السابق والتي انهارت تباعا، وتؤكد نظريته أن ما جرى من سقوط دول في أحداث الربيع العربي توصيف نموذجي لحالة الضراوة وأسلوب القسر على مخالفيها وما يشوبها من تناقض بين المجتمع والأجهزة الحاكمة أيا كان شكلها ، وأزمة البيروقراطية التي تستنزف اقتصاد تلكم الدول.
توجد حلول لكثير من المعوقات والمشاكل السابقة إلا أن تطبيقها يستدعي تغيرا جذريا في فكر السلطة الحاكمة وفي بطانتها، فالعمل على اعادة تأهيل الأجهزة الأمنية و تحقيق مبادئ الدولة الحديثة جميعها يستدعي التزاما فعليا بتطبيق هذه المبادئ والعمل فعليا على انجاحها حيث يقول أحد فقهاء القانون “الدولة ذات السيادة تضع من نفسها قواعد تقيد سلطانها، فالقانون الذي يلزم الأفراد يلزم الدولة كذلك باحترامه” .

النهاية