السبت، 6 أبريل 2013

محمد الفزاري / مقابل حريتي صادقت الشيطان / منقول


مقابل حريتي صادقت الشيطان









1)

الساعه تشير إلى الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، سأذهب لتناول الحبة، تعبت من الألم، تعبت من الأرق، تعبت من البكاء، تكاد عيني تنفذ من الدموع. لقد وصل الحال بي أن أدمن على الحبة، لا أستطيع النوم حتى أتناول تلك الحبة. بدونها أصبحت ضعيفاً منهار القوى حتى النوم لأستطيع أن أتغلب علية، تتلاطم بي الأفكار يميناً يساراً كأني زورقاً صغيراً تعمد صحابة أن يتركه بجانب شاطئ صخري ليصبح ضحية للطمات الأمواج العالية، الهائجة، وأسنة الصخور المتوحشة، كل ذلك عقاباً لذلك الزورق الصغير لأنه لم يجلب الحظ لصحابه أثناء الصيد.

2)
قررت أن أنتحر، أعجبتني الفكرة، الحقيقه غير متأكد هل أعجبتني حقاً أم أنها أصبحت الحل والمخرج الوحيد لمصيبتي فهيأت لنفسي بحلاوة الفكرة رغم مرها. جهزت نفسي للإنتحار وقررت أن أنتحر بطريقة سنمائية بعد فترة من التفكير في اَلية وطريقة الإنتحار.
سأقطع أوردة معصمي وعندما أتأكد أن الدم بدأ يخرج بغزارة ونسياب سأبتلع بعدها كمية كبيرة من الأقراص المنومة لأنام نومتي الأخيرة الأبدية. أتذكر هذا المشهد من فلم رأيته في أحد قاعات السنما كأني أراه الآن أمامي عندما كنت أنعم بالحرية. في اللحظات الأخيره من بدأ ذلك المشهد السنمائي وقطع أوردة معصمي الأيسر، الشيطان الملعون همس في أذني، في الحقيقه الذي كان ملعوناً وأصبح الأن جميلاً وقريباً لي لأنه أنقذني من الموت، نعم أنقذني من الموت بعدما أوحى إلي بفكرة شيطانية تساعدني في الخروج من مصيبتي ولعنتي، لأتحرر من هذا السجن، بل من هذا القبر اللعين. لماذا لاتبيع جزءاً من كبدك أو إحدى كليتيك وتعتق رقبتك من هذا السجن القذر؟ المكان القذر، والأكل القذر، والهواء القذر، حتى أصبح كل ما أراه قذراً.
هذا ماحلمت به أثناء نومي بعد تناول تلك الحبة المنومة المهدئة مبعدة عني تعب الأكتئاب، لكن الحقيقة تقول لاشي يجبر الانسان في عمل المر إلا الشيء الذي هو أمر منة.

3)
كيف أستطيع أن أنسى وجهيكما الصغيرين البريئين، أبنتي أسيل وأبني محمد، ماذنبكما أن تمضي عليكم الساعات والأيام والسنوات دون حنان وقسوة الأب! زوجتي وحبيبتي وصديقتي، رغم مضي عامين منذ دخولي السجن، مازالت ضحكاتك وهمساتك تتردد في أذني، لقد أشتقت لكم كثيراً. لكن أعدكم أن هذه الرحلة السوداء ستنتهي، سأكون بينكم قريباً، سأبيع جزءاً من كبدي أو إحدى كليتي. هل تعلمين يازوجتي أن الشيطان هو من أوحى إلي بهذه الفكره؟! كنت دائماً طيلت عمري أسمع بعبارة إنها فكرة شيطانية، لكن لم أدرك يوماً معناها، اليوم فقط أدركت ماذا تعني. لذا يا زوجتي لاتعجبي إذا نزل الشيطان معي ضيفاً في بيتي! فأنا بعد اليوم لا صديق لي إلا الشيطان.

4)
كأي شاب في مقتبل العمر شغلتني الكثير من الأحلام. فحلمت بعمل وإمتلاك الكثير، المستوى التعليم العالي، الوظيفه الرفيعه، السيارة الفاخرة، والبيت الكبير الواسع ذو الطابقين. لم أكن أدرك يومها إن كل ماحلمت به هو عبارة عن حقوق أستحقها كمواطن في بلدي النفطي، وأن الأحلام تختلف نهائياً عن الحقوق. لكن من حسن حظي لم أدرك ذلك فعملت جاهداً لتحقيق تلك الأحلام، إكتفيت بالشهادة الثانوية وشققت طريقي نحو الأعمال الحرة التجارية، إبتدأت من الصفر وعانيت الأمرين حتى تمكنت من المنافسة في السوق.
عملت ف اليوم أكثر من أثنى عشر ساعة وضحيت بالكثير من سعادتي من أجل أن أحقق أحلامي. اليوم فقط أدركت أني لم أحقق أحلامي، بل كنت أعيش الوهم والسراب. في الحقيقة كنت أقاوم من أجل العيش، من أجل تأمين أقل متطلبات ومستلزمات حياتي دون أن أشعر، متطلباتي الفسيولوجية من مأكل ومشرب وزواج. أتذكر في بداية مشواري تقدمت إلى ديوان البلاط السلطاني لطلب المساعدة كوني مواطن ويحق لي كما علمت ورأيت بأمى عيني أناس يحصلون على الآلاف بل الملايين من الريالات، وحتى الآن بعد مضي عدد من السنوات وأنا أشق طريقي جاهداً، وازدهار تجارتي وخسارتي بعد ذلك التي لا أدعي أني لا أتحمل مسؤوليتها أطلاقاً، ومرور عامين منذ دخولي السجن بسبب قضية "شيكات بدون رصيد" لم أحصل على تلك المساعدات. عندما تقدمت للمساعدة كنت ساذجاً وغبياً ووقحاً أيضاً لأني لم أعرف من أنا، ولم أقدِّر ذاتي وماهي قيمتي في هذا البلد، الآن أكتشفت أني مجرد غريب في بلدي لأني لا أنتمي للعائلة الفلانية أو تلك الأخرى ولأني ولدت فقيراً ويجب أن أموت فقيراً. الشكر لك يارب وإلـه الأغنياء أنك تعمل جاهداً لأموت فقيراً وأدخل الجنة.

5) 
كيف أستطيع أن أتحمل ذكرى ذلك اليوم الذي تعرضت فيه للضرب، للإهانة، للذل بكل صوره وأشكاله. ذلك الشرطي الحقير الذي أستغل ضعفي بعد ما خلابي وقيدني بأصفاد الحديد في كلتي يدي ورجلي، ولكي يزيد من ضعفي قام بتوصيل أصفاد اليدين وأصفاد الأرجل بأصفاد أخرى. ثم بدأ ينهال علي بالضرب والشتم.
ياكلب، ياحمار، ياعديم التربية أنا سؤربيك............ ضرباته نزلت علي كالصاعقه، بمقدمة حذائه، بمؤخرة حذائه، بكلتى يدية اللعينتين. كل ذلك الضرب وتلك الإهانات والتقليل من كرامتي وإنسانيتي لأني فقط تلفظت عليه ونعته بأنه عديم الاحساس.
كان يستحقها وأكثر من ذلك أيضاً. وتمنيت لو نعته بأقبح السباب. كنت متوتراً، كل ما أراه أسودُ في تلك الساعات بعد ماحكم علي القاضي بالسجن لمدة أربع سنوات. طلبت منه السماح لي بإجراء مكالمة قصيره لأطمئن أمي وأبي وزوجتي على حالتي لكنه رفض ولم يبدي أي إهتمام، بل لم يكترث نهائياً لكلامي. يا إلـه المظلومين كيف أستطيع أن أنسى تلك الإهانات وأتمالك نفسي خاصة بعد حفظ دعوتي من قبل الإدعاء العام رغم وجود الشهود!

6) 
أنا المواطن السجين من خلف القضبان بسجن سمائل المركزي أعرض جزءاً من كبدي للبيع أو أحدى كليتي، لأنقذ نفسي من نار هذا السجن ونار شوقي لأمي، وزوجتي، وأطفالي.

7)
تمت كتابة هذا النص نزولاً لرغبة الأخ النزيل خلفان محمد خلفان، وبعد الإنطباع الواضح الذي تركه على مشاعر وأحاسيس الكاتب بعد سماع قصته التي تلخصها هذه العبارة "أنا مستعد أن أضحي بيدي لو قيل لي.. مقابل حريتك سنبتر إحدى يديك"